كرسي الإعدام الأمريكي !

قصة إعدام ويليام كملر وموته الصادم الذي استفادت منه شركات الكهرباء الأمريكية !

كان ويليام كملر رجلاً أمياً يعمل بائعاً متجولاً في مدينة بافالو بولاية نيويورك الأمريكية ، وكان شخصاً شديد الغيرة مفرطاً في تناول المشروبات الكحولية ، وهي تركيبة خطيرة جعلت زوجته تيلي زيغلر تعاني من آثارها بصفة مستمرة إلى أن انتهت تلك المعاناة في مارس/آذار من عام 1889 حين أمعن زوجها ، في خلال واحدة من نوباته الشيطانية ، بقتلها بفأس صغيرة. أفضى كملر فيما بعد لأحد جيرانه بندمه على قتل زوجته قائلاً أنه على استعداد تام لكي يعلقوا حبل المشنقة حول رقبته عقاباً على ما ارتكبت يداه. لكن بدلاً من شنقه ، شاء القدر أن يكون كملر أول شخص في التاريخ يتم إعدامه بالصعقة الكهربائية

كملر وزوجته تيلي زيغلر

اتسمت محاكمة كملر أمام القضاء الأمريكي بالسرعة لاسيما بعد أن اعترف بقتل زوجته. وفي الـ 13  من مايو/أيار حُكم عليه بالإعدام بواسطة الصاعقة الكهربائية ، وهي طريقة إعدام كانت جديدة في حينه تم تشريعها في نيويورك باعتبارها “أقل همجية” من الإعدام بحبل المشنقة. أخذ أحد المحامين المشهورين آنذاك على عاتقه الدفاع عن كملر فاستأنف حكم الإعدام بالصاعقة الكهربائية ، معتبراً إياها طريقة عقاب قاسية وغير اعتيادية. ولكن عندما أيدت محكمة الاستئناف الحكم الأساسي بالكرسي الكهربائي على أنه طريقة إعدام إنسانية ، أخذ محام آخر من كبار المحامين في نيويورك قضية كملر أمام المحكمة العليا الأمريكية ، ولكن مرافعات استئناف الحكم التي قدمها باءت بالفشل هي الأخرى.

على الرغم من أن المحاميين الذين دافعوا عن كملر قد ادعوا أنهم قبلوا قضيته لأسباب إنسانية محضة ، إلا أنه يُعتقد بأنهم كانوا يعملون لحساب جورج وستينغهاوس، أحد رواد الصناعات الكهربائية التي كانت في تلك الحقبة تشهد ازدهاراً تجارياً سريعاً. وستينغهاوس ، وهو أحد أنصار تقنية التيار المتردد المعروفة بـ AC كان من المدافعين الأقوياء عن أفضلية تقنية التيار المتردد ، وذلك بهدف كسب ثقة المستهلكين واعتبارها التقنية الأكثر تفوقاً للنقل الكهربائي. بينما كان طوماس أديسون ، منافسه وغريمه الأول  ، يأمل في ترسيخ سوق استخدام التيار الطردي DC من خلال حملات دعائية نشطة تُظهر مدى خطورة استخدام التيارات الكهربائية المترددة.

ولكي يربط في أذهان الناس بين التيار الترددي والناحية السلبية الممثلة في الموت ، حاول التحالف المناصر لأديسون جعل كرسي الإعدام الكهربائي لا يعمل إلا بمولدات وستينغهاوس الكهربائية. إلا أن هذا المخطط لم يكن تنفيذه سهلاً ، حيث أن وستينغهاوس كان قد اتخذ احتياطاته وحاول منع جميع مبيعات مولداته الكهربائية لأي شركة أو جهة قد تكون على اتصال بمنافسه أديسون أو بكرسي الإعدام الكهربائي.

تم تكليف الأخصائي الكهربائي هارولد براون بصناعة الكرسي الكهربائي المميت. وقد ظهرت شائعات فيما بعد تتهمه بأنه كان أحد عملاء أديسون لاسيما عندما فضل براون استخدام التيار المتردد كمصدر لكهرباء كرسي الإعدام. كما أنه التف على القيود الصارمة التي وضعها وستينغهاوس بشأن بيع مولداته الكهربائية ، بعد أن خطط لإرسال شحنة من ديناموهات وستينغهاوس إلى البرازيل ، ومن ثم أعادها  إلى الولايات المتحدة لاستخدامها في تطوير كرسي الإعدام الكهربائي.

عندما حانت ساعة الإعدام التي كان فيها كملر بكامل وعيه ، وقد خلى جسمه من تأثير الكحوليات التي اعتاد شربها ، اقترب بهدوء من كرسي الإعدام الكهربائي في السادس من آب/أغسطس عام 1890 وجلس فيه بينما بدأ مأمور السجن ، ويداه ترتجفان ، في تثبيت المجسات الكهربائية على جسم كملر. نصحه الأخير بأن يأخذ وقته وأن لا يتسرع في أداء عمله. وبحسب شهادة أحد الحاضرين في جلسة الإعدام ، قيل أن أعصاب كملر كانت هي الأكثر هدوءاً بين الحاضرين جميعاً في غرفة الإعدام ذاك اليوم.

وبينما تضاربت المعلومات حول ما حصل في غرفة الإعدام آنذاك ، إلا أن الكل يُجمع على أن عملية إعدام كملر تمت بطريقة فاشلة جداً. حيث بدا أن المسؤولين عن تنفيذ عملية الإعدام لا يملكون فكرة واضحة حول المدة الزمنية المطلوبة لصعق كملر بالكهرباء ، فقد اقترح البعض صعقه لبضع ثوان بينما اقترح آخرون 15 ثانية فقط ، إلى أن تم الاتفاق على صعقه بالكهرباء لـ 10 ثوان لإنهاء حياة المحكوم عليه.

وأخيراً قام منفذو عملية الإعدام بضغط زر الكهرباء ليبدأ جسم كملر بالانتفاض فوراً في كرسيه ، وسرعان ما تحوّل لونه إلى الأحمر البراق ، وذلك أمام ذهول ورعب المتفرجين ، حيث بدا وكأنه مازال على قيد الحياة ولم يمت بعد الصعقة الأولى ، بل كان يئن ويشهق الهواء بصوت مرعب ، الأمر الذي دفع منفذي الإعدام إلى إرسال ضربات كهربائية صاعقة إضافية حتى غادرت الروح جسده المكهرب.

تقول بعض الآراء أن موت كملر جاء فورياً ، وأن ردة فعله تلك بعد سريان الكهرباء في جسده تشبه ظاهرة الدجاجة المفرفرة التي تركض في كل مكان بعد قطع رأسها. بينما تقول آراء أخرى أن كملر مات مُعذباً بموتة بطيئة ومؤلمة. ومع تضارب الآراء هنا حول طريقة إعدام كملر ، يتفق المؤرخون على أن شيئاً واحداً كان مؤكداً وهو أن معسكري وستينغهاوس وأديسون تركا أثرهما الواضح على القصة ، مستخدمين موت كملر حجة للسعي إلى تحقيق طموحاتهما التجارية في عالم الكهربائيات.

(يمين) جورج وستينغهاوس – طومس إديسون

يُذكر أنه على المدى البعيد لم يتمكن أي منهما في تحقيق مآربه التجارية تلك. فعلى الرغم من أن التيار المتردد AC بات المعيار الأساسي في عالم الكهرباء ، إلا أن المتاعب المالية التي لحقت بـ وستينغهاوس جعلته يخسر سيطرته على شركته. بينما وضع رجال المصارف أيديهم على شركات أديسون التي تحوّلت في نهاية المطاف إلى شركة جنرال إلكتريك.

بواسطة حسام مدقه

إعلامي لبناني كندي يحمل شهادة ليسانس في آداب اللغة الإنكليزية من جامعة بيروت العربية ، وشهادة ليسانس في علوم الاتصال والسينما ووسائل التواصل الحديثة من جامعة وندسور الكندية. أكمل دراسته الإعدادية والثانوية في القاهرة بجمهورية مصر العربية ودبي بدولة الإمارات العربية المتحدة. عمل مترجماً في تلفزيون المستقبل وعدد من شركات الدوبلاج المرموقة في لبنان ودول عربية أخرى.