فلنواجه كورونا يداً واحدة

هاشم الغيلي هو أخصائي في التواصل العلمي من أصل يمني. اشتهر على الساحة العلمية الغربية بقدراته على تبسيط المعلومة العلمية وشرحها لغير المتخصصين. في الآونة الأخيرة وخلال جائحة كورونا ، تعرض هاشم إلى عدد من الهجمات التي نالت منه شخصياً بغرض التشكيك فيما يقدم من معلومات حول وباء كورونا ، واتهامه بأنه يروّج الخوف بين الناس لأهداف خفية. ما دفع هاشم في الـ 15 من نيسان/إبريل الحالي إلى كتابة رسالة مطوّلة بالإنكليزية نشرها عبر صفحته على فايسبوك كرد على منتقدي منشوراته. وقد آثرنا مساندة موقفه بأن ننشر رسالته تلك مترجمة إلى العربية للإفادة الأكبر . إليكم نص الرسالة.

“أعمل أخصائياً في التواصل العلمي منذ 12 سنة وحتى اليوم ، وأستطيع أن أؤكد لكم أن الفترة التي نمر بها الآن هي واحدة من أسوأ الفترات على الإطلاق عندما يتعلّق الأمر بعمليات التشكيك الخطرة ، والتي تزيد من خطورتها حالات الجهل وسهولة الوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي. المؤسف أن هذه الفترة أيضاً هي فترة أحوج ما نكون فيها إلى التفكير الدقيق. فترة تتعرض فيها أرواح الملايين من البشر إلى الخطر. ما قد يجعلكم تظنون بأن الناس سيعملون مع بعضهم البعض لمواجهة مشكلة عالمية كهذه ، قادرة على أن تمحو من الوجود جزءاً كبيرأً من البشر ما لم يتم احتواءها ، لكن بدلاً من ذلك نجد من يلجؤون إلى النزاعات ، ويميلون إلى نشر نظريات المؤامرة ، والمعلومات الخاطئة حول أمور لا سيطرة لهم عليها أو بالكاد يعرفون عنها شيئاً.

من الجيد أن يكون للمرء قدراً منطقياً من الشك ، لكن حتى الشك أو التشكيك نفسه قد يتحول إلى أداة خطرة إذا زادت عن حدها. فالتشكيك يُغشي بصيرة المرء ، ويحجب عنه رؤية الحقيقة. والشيء ذاته ينطبق على التمتع بعقل منفتح تجاه أية أفكار جديدة. وفي كلتا الحالتين يجب أن يكون كل أمر معتدلاً ومتوازناً. فكما قال كارل ساغان: أن من المفيد أن يكون للمرء عقلاً منفتحاً ، لكن يجب ألا يكون هذا العقل منفتحاً لدرجة تسمح بسقوطه”.

لقد لاحظت أن هناك مجموعات كبيرة من الناس تستخدم مصطلحات “رفيعة المستوى” للاعتراض على الأدلة العلمية المقدمة ، حيث يصفونها بأنها “ترويج للخوف” ، أو “أخبار زائفة” أو “هيجان إعلامي” حين لا تتفق تلك الأدلة مع ما يعتقدون به شخصياً. أما ما يوافقون عليه ويقومون بنشره فهو كل ما يتفق مع أيديولوجياتهم الخاصة ، وغالباً ما يكون دون تدقيق في مصادر ما ينشرونه ، أو دون تمحيص في الدليل العلمي الكامن وراء ما ينشرون.

هل تتخيلون ماذا كان ليحدث إذا قرر كل شخص في هذا العالم أن يتجاهل وباء كوفيد 19؟ كنا لنرى أناساً ينهارون أرضاً في الشوارع بسبب “مرض مجهول” ، ولكنا عاجزين عن إيجاد السبل اللازمة لاحتواء ذلك المرض ، لأن البعض استخف به واعتبره مثل الإنفلونزا ، واعتقد أن بتجاهله سوف يرحل المرض عنا. لكن الحقيقة لو أننا تجاهلناه فقد يكون شبيهاً هذه المرة بوباء الموت الأسود (1347 – 1353) ، الذي قضى على نحو مئتي مليون شخص حول العالم ، في حين كان تعداد العالم آنذاك لا يتجاوز 450 مليوناً. الأمر الذي قد يعيدنا لحياة مجتمع بدائي من العصور الوسطى لا يعرفُ شيئاً عن الجراثيم المسببة للأمراض بالرغم من الثورة التكنولوجية والعلمية التي وصلنا إليها. فما هي حجتنا ؟ حجتنا هي إنها “أخبار زائفة” و”ترويج للخوف”. إن هذا هو شكل العالم الذي يريد هؤلاء المشككون أن نعيش فيه.

لقد تكلمت شخصياً مع أشخاص تجاهلوا مشكلة كوفيد 19 إلى أن فقدوا عزيزاً عليهم بسبب ذلك المرض ، عندها فقط أخذوه على محمل جدي. وسرعان ما أدركوا أن الأرقام التي نراها كل يوم ليست مجرد أرقام ، بل تمثل أناساً حقيقين كان لهم ذكرياتهم الخاصة وتجاربهم ، وكان لهم وجود واتصالات على أرض الواقع. كان لهم عائلات وأصدقاء يحبونهم ، وكانوا يفكرون بقضاء رحلة الصيف في مكان ما ، وخلق ذكريات جديدة جميلة. كانوا أحياءً بصحة جيدة ذات يوم ، وفي اليوم التالي رحلوا عن الدنيا.

هل يمكن أن تتخيلوا شعور أن تفقدوا شخصاً عزيزاً عليكم؟ في حال لم يحصل لكم ذلك بعد ، دعوني أقول بأنها تجربة مؤلمة ، مررت بها شخصياً عندما فقدت شقيقي الأكبر قبل بضعة أعوام. إنها تجربة مؤلمة حين تكون على ارتباط وثيق بشخص ما لفترة طويلة … ثم يرحل عنك في غمضة عين. ثم تجد أن الملايين من الناس يصفون ما يجري بأنه “أخبار زائفة” و “ترويج للخوف”. إن هذا في حد ذاته إهانة لضحايا ذلك الوباء المدمر ، وإهانة للدليل العلمي والمعرفة التي قضينا عقوداً في جمعها ، بل وإهانة لذكاء الجنس البشري كله. لكننا أرقى وأعلى من ذلك.

في خلال هذا الوباء ، لطالما أخذت جانب العلم ، ولكن كان لذلك ثمناً. فقد وُصفت واتهمت بأشياء كثيرة. “الصين تدفع له” ، “منظمة الصحة العالمية تموّله”. إنه مأجور من قِبل الماسونية التي تتحكم في العالم” ، “بيل غايتس يدفع له المال” ، أو “شركات الأدوية الكبيرة تموله” ، لكنني اخترت أن أتجاهل ذلك كله ، ليس لأنني لا أستطيع الدفاع عن نفسي ، بل لأن هناك مشكلة أكبر يجدر التركيز عليها وهي مشكلة هذا الوباء.

مثل أي شخص آخر ، أريد أن ينتهي هذا الوباء الآن كي نمضي جميعاً بحياتنا. لهذا فإن واجبي كأخصائي في التواصل العلمي أن أوفر لكم تحديثات موثوق بها حول ما يجري. كلنا بحاجة إلى دواء لهذا الوباء ، لذلك سأظل أوافيكم بكل المستجدات حول تقدم العمل لإيجاد الدواء. أنا أدرك كيف قد تؤثر سلباً هذه التجربة التي نمر بها على الصحة الذهنية للبعض منّا. وكما لاحظتم فإنني أركز على تقديم وتغطية قصص إيجابية مُلهمة تساعدنا في تجاوز تبعات هذا الوباء والحفاظ على سلامتنا العقلية في الوقت ذاته. لكننا مع ذلك لا نريد أن نقدم آمالاً زائفة تضللكم وتجعلكم تقللون من خطورة المشكلة. فهذا ليس أسلوبي. من المهم أن نتعرف على الحقائق الجديدة حول الفيروس والوباء مهما تعارض ذلك مع تمنياتنا أحياناً. ومن المهم أن نتعرف على سلوك الفيروس لكي نحمي أنفسنا وأحبائنا بطرق أفضل ، ونقلل الضرر الذي يسببه هذا الوباء.

رجاءً ، فلنتصرف جميعاً بطريقة مسؤولة خلال هذه الجائحة ، ليس فقط من خلال ممارسة التباعد الاجتماعي ، بل وبالتعرف أيضاً على الحقائق من مصادرها الموثوق فيها فقط. ولنتذكر أن هذا ليس “ترويجاً للخوف” ، فما يجري الآن هو تهديد حقيقي قد يصيبكم ويصيبني ما لم نتوخ الحذر. دعونا نبتعد عن الذعر ، دعونا نبقى أقوياءً وحذرون خلال هذه الفترة الصعبة المؤقتة. إنها فترة سوف تمر. وخلال حربنا مع فيروس #كورونا ، سوف نخرج منتصرين لأنها ليست نهاية العالم.

حافظوا على سلامتكم
هاشم”

مصدر النص الإنكليزي | اضغط هنا

بواسطة حسام مدقه

إعلامي لبناني كندي يحمل شهادة ليسانس في آداب اللغة الإنكليزية من جامعة بيروت العربية ، وشهادة ليسانس في علوم الاتصال والسينما ووسائل التواصل الحديثة من جامعة وندسور الكندية. أكمل دراسته الإعدادية والثانوية في القاهرة بجمهورية مصر العربية ودبي بدولة الإمارات العربية المتحدة. عمل مترجماً في تلفزيون المستقبل وعدد من شركات الدوبلاج المرموقة في لبنان ودول عربية أخرى.