ملحمة أوتا بنغا

في مطلع عام 1900 ، وُضع قزم إفريقي في حديقة حيوانات برونكس الأمريكية لعرضه أمام الزوار ، فكان إقبال الحضور على المعرض كبيراً ، ما خلق سلسلة طويلة من الآراء المثيرة للجدل. 

****

في الـ 17 من أغسطس 2005 أذاعت حديقة حيوانات برونكس الأمريكية بياناً  غير اعتيادي حول معرض يرسم مراحل التطور البشري ، وذلك لمدة أربعة أيام خلال الشهر المذكور ، وأضاف البيان أن عدداً من الأخصائيين ذوي الخبرة سيقومون على إدارة المعرض … وأن المعرض سيقدم فقرات ترفيهية متعددة تـُغني معرفة الزائر. 

هذا المعرض البشري المؤقت ، التابع للحديقة والذي شاركت فيه مجموعة من المتطوعين كانت مكوّنة من خمسة نساء وثلاث رجال ، جرت فعالياته دون ترويج إعلامي له ، بل اقتصر فقط على اعتباره معرض في خدمة علم الإنسان والإنسانية.

لكن قبل 99 سنة من المعرض المذكور ، كان هناك معرض للبشر من نوع آخر  في حديقة حيوانات برونكس نفسها ، وقد أثار في ذلك الوقت موجة من الاحتجاجات وضجة كبيرة. 

ففي الثامن من سبتمر 1906 وُضعت لافتة أمام معرض و قفص القرود بحديقة حيوانات برونكس تقول: 

“أوتا بنغا ، القزم الأفريقي ، 23 سنة ، طوله متر و30 سم ـ وزنه 46 كلغ” 

داخل المعرض ، وجد الزوار شاباً نحيلاً يرتدي بنطالاً أبيض اللون ومعطفاً باللون الكاكي ، يحدق عينيه بالزوار من وراء قضبان قفصه الحديدي. كان حافي القدمين ، تكشف ابتسامته للناظرين عن أسنان مروّسة كان قد تم بريها وفقاً لعادات قبيلة باتوا الإفريقية في الكونغو والتي كانت آنذاك مستعمرة بلجيكية. خلال المعرض كان أوتا بنغا (ويعنى اسمه الصديق بلغته الأفريقية) يلعب برفقة قرد من قرود الأورانغتان يُدعى دوهونغ. وفي أوقات أخرى كان يرمي سهاماً على أهداف مصنوعة من القش لإثارة فضول الزائرين. وفي أحيانٍ أخرى كان يُسمح له بالخروج من قفصه لشراء المياه الغازية من أحد الدكاكين بنقود كان يتقاضاها من التقاط المصورين صور له. 

على مدار الأيام القليلة التالية للمعرض ، تهافت آلاف الزوار  على قفص القرود لمشاهدة أوتا بنغا لدرجة أن أعدادهم الغفيرة لم يعد من السهل إدارتها أو ضطبها ، في حين سجل عدد من رجال الدين اعتراضهم على ما يجري في ذلك المعرض في صحيفة نيويورك تايمز . أحد تلك الاعتراضات التي جاءت على لسان القس أر  أس ماكأرثر تقول: 

“إن الشخص المسؤول عن هذا المعرض يحط من شأن نفسه مثلما يحط من شأن الأفريقي”

لكن ماذا كان رأي أوتا بنغا حول ما يجري بشأنه ؟ من الأرجح أنه كان يعرف عن الموُزونغو ، أو البيض كما كان يسميهم ، أكثر مما كانوا يعرفون هم عنه. فقد تم عرضه مرة من ذي قبل خلال معرض سانت لويس العالمي عام 1904 ، حيث قام مع عدد من أقرنائه الأقزام ببناء ما يشبه قريته الأفريقية ، وذلك كجزء من برنامج المعروضات الحية في المعرض نفسه تحت مسمى السلف القديم للإنسان. لكن الفارق آنذاك أن أوتا بنغا كان بين أناس من بني جلدته ، ولم يتم وضعه في قفص للقرود كما حدث في حديقة حيوانات برونكس ، وهو الأمر الذي كانت له دلالات مختلفة. 

ويليام هورناداي ، مدير حديقة حيوانات برونكس آنذاك ، دافع عن المعرض قائلاً أن أوتا بنغا يتم إطعامه بشكل جيد وتتم معاملته بشكل جيد أيضاً. لكن امتعاض بعض الزوار من المعرض كان واضحاً بحسب ما أدلى به أحد الزوار قائلاً:

“إن ثمة شيئاً هنا لا يروق لي أبداً. “

في نهاية المطاف تم إخراج أوتا بنغا من المعرض على يد أحد القساوسة المتعاطفين مع قضيته ، حيث عاش أوتا بنغا في ملجئ للأيتام في مدينة لينشبرغ – فرجينيا. وقد تمكن من تعلّم اللغة الانكليزية بعد بضع سنوات ، وحصل على عمل في أحد مصانع التبغ وصنع السجائر. ولكن على الرغم من محاولات أوتا بنغا المستمرة للتأقلم مع الحياة في مجتمعه الجديد ، إلا أنه لم يستطع أن يتكيّف أبداً مع عادات المُوزونغو. وفي مارس من عام 1916 توجه أوتا بنغا بمفرده إلى إحدى الغابات المجاورة ، وقام بأداء إحدى الطقوس الراقصة حول نار موقدة ، ثم أطلق على قلبه رصاصة من مسدس مستعار حتى لفظ أنفاسه الأخيرة. 

بواسطة حسام مدقه

إعلامي لبناني كندي حائز على شهادتي الليسانس في اللغة الانكليزية وآدابها من جامعة بيروت العربية ، وفي علوم الاتصال ووسائل التواصل والسينما من جامعة وندسور الكندية. أتم دراسته الإعدادية والثانوية بين القاهرة ودبي. عمل مترجماً متفرغاً في تلفزيون المستقبل ومع عدد من شركات الدوبلاج المرموقة في لبنان ودول عربية أخرى.