حقيقة أذن فان غوخ

سيظل التاريخ يتذكّر فان غوخ  ، الفنان اللامع وغير الاعتيادي الذي ترك أثراً بالغاً على تاريخ الفن الغربي ، على أنه ذلك الرسام المتقلّب المزاج الذي قطع إحدى أذنيه خلال واحدة من نوبات جنونه. لكن صحة هذه القصة كحال أذنه تلك … مقطوعة الأوصال !

خلال حياته القصيرة (55 عاماً) والتي أنتج خلالها أكثر من ألفي عمل فني ، منها 860 لوحة زيتية رسم معظمها خلال آخر سنتين من عمره ، كان الفنان الهولندي الكبير فان غوخ يعاني من العديد من الأمراض النفسية كالصّرع ، واضطراب ثنائي القطب ، والاكتئاب ، ومن أمراض جسمانية أيضاً مثل التسمم الرصاصي. في طفولته ، كان فان كوغ منطوياً على ذاته يعاني من شلل اجتماعي وعدم القدرة على التواصل جيداً مع الآخرين ، وقد زادت نسبة الحصر النفسي عنده بدرجة كبيرة بعد إرساله إلى مدرسة داخلية.

لا شك أن فان غوخ أقدم على محاولة قطع أذنه اليسرى ، لكنه لم يتمكن إلا من بتر جزء من شحمة أذنه فقط ، وذلك خلال أحد الأوقات التي كان يقضيها برفقة صديقه وزميله الرسام بول غواغوين في العاصمة الفرنسية ، باريس. لعلني بالغت قليلاً هنا في وصف غواغين بالصديق لفان غوخ ، فقد كانا كثيراً ما يشربان معاً إلى حد الثمالة ، ثم يدخلان في نقاشات حادة بعد ذلك.

اشتهرت الساحة الاجتماعية والفنية في باريس آنذاك بشراب مُسكر مصنوع من أوراق نبات الأفسنتين والمعروف أيضاً باسم الدمسيسة ، وهو الشراب الذي كان فان غوخ يعاقره ومغرماً به. وكان الاعتقاد السائد في ذلك الوقت أن من يُفرط في تناول ذلك المشروب الكحولي القوي ، كان عُرضةً لإظهار سلوكيات عدوانية عنيفة.

وخلال مشادة كلامية بينه وبين غواغوين عشية عيد الميلاد سنة 1888 ، هاجمه فان غوخ بموس حلاقة ، وحين فشل في إلحاق الأذى بـ غواغوين ، لم يجد فان غوخ مناصاً من تعويض شعوره بالنقص العاطفي إلا بقطع جزء من شحمة أذنه اليسرى … والتي قدمها لاحقاً إلى صديقته رايتشل بائعة الهوى ملفوفة في ورقة جريدة ، وطلب منها أن تحتفظ بها كشيء ثمين ذا قيمة.

إن حادثة بتر شحمة أذنه ، كانت قد وقعت قبل نحو عامين فقط من انتحار فان غوخ بإطلاق الرصاص على نفسه. لذلك فمن المنطقي أن نستنتج هنا أن انتحاره كان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بانهيار حالته النفسية والعقلية العامة ، حيث اعتبر موته شكلاً آخر من أشكال أذية الذات.

بواسطة حسام مدقه

إعلامي لبناني كندي حائز على شهادتي الليسانس في اللغة الانكليزية وآدابها من جامعة بيروت العربية ، وفي علوم الاتصال ووسائل التواصل والسينما من جامعة وندسور الكندية. أتم دراسته الإعدادية والثانوية بين القاهرة ودبي. عمل مترجماً متفرغاً في تلفزيون المستقبل ومع عدد من شركات الدوبلاج المرموقة في لبنان ودول عربية أخرى.