صائدو الرؤوس

لا تزال تعيش في الذاكرة مشاهد مؤلمة ظهرت قبل سنوات في مقاطع فيديو عبر وسائل التواصل أو قنوات فضائية لعمليات تمثيل بالجثث وقطع للرؤوس خصوصاً في العراق وسوريا ، وذلك على يد تنظيمات إرهابية كداعش وأخواتها. كما لا يزال يحضرني قصص رعب لإرهابيين كانوا يقتحمون على صهوات جيادهم قرى صغيرة ليلاً في الجزائر في حقبة التسعينيات ، ويمثلوا بأهلها الآمنين بقطع الرؤوس بالسيوف والفؤوس. إن هذه الجرائم التي يرتكبها قتلة إرهابيون في عصرنا “الحديث” تُعتبر ، إلى جانب كونها وسيلة همجية بالأساس ، أداةً للحرب النفسية ، هدفها فرض الهيمنة وإثارة الخوف المُطبق في نفوس العامة لإخضاعها والتحكم في مصيرها ومقدراتها. هذه الممارسات الهمجية تعود في تاريخها إلى العصر الحجري ، أي قبل نحو 600 ألف سنة. لكن عندما كان صائدو الرؤوس ، كما أُطلق عليهم في ذلك العصر البائد ، يقطعون رؤوس أعدائهم ، ماذا كان يفعلون بها ؟

على الرغم من همجية ووحشية هذه الممارسة في العصور الغابرة ، إلا أنه كان هناك سبب لتلك الفعلة الشنعاء آنذاك. فعلى سبيل المثال كانت قبيلة داياك ، إحدى القبائل الأسترالية الأصلية في بورنيو ، تعتقد بأن الرأس تحتوي على روح الضحية. وأن أخذ هذه الرأس كان يعني القضاء على حياة صاحبها وقوته.

أما الجنود الصينيون خلال حكم سلالة كين (221-206 ق.م) فقد كانوا يحملون رؤوس من قاموا بغزو بلادهم إلى أرض المعركة لإخافة أعدائهم. كما أن تلك الرؤوس كانت تعتبراً دليلاً على ارتكاب عملية القتل ، وبموجبها كان الجنود يتقاضون أجورهم.

غير أن قطع الرؤوس لم يكن مرتبطاً بالحروب دائماً. فقد أدخل قدماء السلتيين (عرق بشري يسكن ايرلنده وويلز والشمال الغربي لسكتلنده) على سبيل المثال ، عملية قطع الرؤوس في طقوس الخصوبة ، وفي ممارسات شعائرية أخرى.

لكن واحدة من أهم المشكلات التي واجهت صائدي الرؤوس كانت سرعتها في التحلل. لذلك كان يلجأ بعض صائدي الرؤوس إلى الاحتفاظ بالجمجمة بعد نقعها في الماء المغلي والتخلص من محتوياتها. بينما لجأ آخرون إلى طهوها وأكل أجزاء منها لتجرع جوهر العدو المقهور. في حين كان يُفضّل آخرون الاعتناء بتلك الرؤوس والحفاظ عليها من التحلل.

كان صائدو الرؤوس في قبائل الماوري بنيوزيلندا ينزعون اللحم عن جماجم أعدائهم ، ثم يقومون بتجفيفها عن طريق التدخين. وبذلك تمكنوا من الحفاظ على سلامة الوشم التابع لقبيلة معينة ، وهو ما كان يعني التعرف على هوية القتيل من خلاله. بعض هذه الرؤوس تم بيعها للأوروبيين من هواة جمع التحف الخاصة و للمتاحف أيضاً. أما في غينيا الجديدة ، فقد لجأت بعض القبائل إلى تحنيط الرأس برمته ، كما كانوا يرتدونه كقناع للوجه.

أحد الرؤوس التي حُفظت بطريقة جيدة على مر التاريخ تأتي من قبيلة هيفارو (أو شوار) في أمريكا الجنوبية. وهي رؤوس متقلّصة الحجم تُعرف باسم تسانتسا ، وهي تعتبر أكثر تميزاً عن غيرها بفضل الطريقة التي حُفظت بها.

بعد القضاء على العدو وفصل رأسه عن عنقه ، كان الهيفارو يسلخون جلد الرأس كقطعةً واحدة متكاملة ثم يتخلصون من الجمجمة لاحقاً. وفي مرحلة المعالجة الثانية ، كان جلد الرأس يُقلب إلى الخارج من أجل كشط الأنسجة الداخلية وإزالتها. بعد ذلك يتم غلي الجلد في الماء لساعتين حتى يتقلّص حجمه إلى الثلث تقريباً. ثم تُخيط فتحتي العينين لإقفالهما ، وإقفال الفم بالسفود ، كان الهيفارو يملؤون الجلد بعد ذلك بالحجارة الساخنة مع الحرص على عدم حرقه ، ثم كانوا يقولبون الجلد خلال مرحلة بروده للحفاظ على مميزاته الشكلية. وبعد إزالة الحجارة ، كان الجلد يُملأ بالرمال الساخنة ، ويلي ذلك استخدام تقنية تدخين الجلد. فكانت النتيجة كتلة صغيرة صلبة داكنة اللون تشبه رأس الإنسان. واليوم يبيع الهيفارو نُسخاً عن التسانتسا أو الرؤوس المقلّصة للسيّاح الأوروبيين وغيرهم.

جدير بالذكر أن هناك أدلة على قيام عدد من جنود الحلفاء بأخذ الجماجم كغنائم حرب وتذكارات إبان الحرب العالمية الثانية. كما توجد مؤشرات على أن ممارسات مشابهة وقعت خلال الحرب الفيتنامية. وحتى فترة قريبة ، أي في عام 2001 ، كانت قبائل الداياك في بورنيو لا تزال تمارس عمليات صيد الرؤوس خلال نزاعاتها مع مجموعة عرقية أخرى تُدعى المادوريس. ولا تزال تطفو إلى السطح بين الحين والآخر تقارير إخبارية حول عمليات صيد الرؤوس … لذلك إذا قررت القيام بزيارة لقرية نائية ما في نيوزيلندا أو مجاهل الأمازون وغيرها ، فإن النصيحة الأولى هي أن تتوخى الحذر وتحافظ على سلامة … رأسك.

بواسطة حسام مدقه

إعلامي لبناني كندي حائز على شهادتي الليسانس في اللغة الانكليزية وآدابها من جامعة بيروت العربية ، وفي علوم الاتصال ووسائل التواصل والسينما من جامعة وندسور الكندية. أتم دراسته الإعدادية والثانوية بين القاهرة ودبي. عمل مترجماً متفرغاً في تلفزيون المستقبل ومع عدد من شركات الدوبلاج المرموقة في لبنان ودول عربية أخرى.