الأنا بين الحلم و الواقع

• خارج عتبة باب المنزل هناك سماء تبكي.
تراب عطش لرشفة ماء.
هناك تأخذك أفكارك خارج صندوق مخدعك.
الآن أمشي في عتمة الليل تحت مصابيح المطر.
أرنو بعينيّ يمينا و شمالا.
أراقب الأبنية الشاهقة من بعيد.
أراقب الجدران و النوافذ و الأبواب.
هنا في هذا المكان في هذا الحي في هذا الجدار دخلت رصاصة و استقرت.
جرح نزف و مازال ينزف.
سالت الدماء و قتلت الأحلام.
قتلت البسمة، قتلت الأمل، قتلت الأمان و حتى السلام.
تطالب أرواحنا بالسلام و نحن نرفض.
نرفض السلام مع أرواحنا و نستسلم أمام قذارتنا.
تطالب أرواحنا بالكلمة الطيبة و نحن نرفض.
نرفض الكلام الجميل و نستسلم أمام شهواتنا.
تطالب أرواحنا بالمحبة و نحن نرفض.
نرفض الحب و العطف و الإنسانية و نستسلم أمام جشعنا.

في هذا الركن من هذا الحي صبي صغير يستر جسده بقليل من أوراق شجرة التين. أوقفتني حالته لدقائق من الصمت و أنا أختبأ تحت مظلتي. نظر إلي فكانت عيناه ممتلئتين بتجاعيد الشيخوخة تارة و تارة أخرى كانت تشع براءة. كان يعمل على إشعال بضع أغصان من شجرة التين التي انتصبت فوق مخدعه الهادئ. كان يعاني من إشعالهم و كانت يداه ترتجفان من شدة الصقيع. فكانت الأغصان مبتلة و كان الكبريت قد تآكل من كثرة الرطوبة في علبة الكبريت. نظر إلي مرة أخرى و هو يحاول إشعال كومة الحطب و كأنه يقول لي بمليء عينيه أعطني الدفيء. و لكن دون جدوى فلم أكلف نفسي عناء إخراج يدي من جيب بنطالي السميك. لأعطيه ولاعتي التي تعمل على الكيروسين و التي أشعل بها السيجار الكوبي الفاخر أو حتى قليلا من النقود.

كل يوم أخرج من منزلي لكي أدخل مرآب سياراتي و أرى ذلك الصبي في هذا الركن القريب من منزلي. دخلت إحدى سياراتي بعدما أغلقت مظلتي و أشعلت محركها و ضغطت على زر تشغيل التدفئة ووضعت موسيقى و ابتسمت ثم انطلقت لرؤية الأصحاب. بعدما انتهيت من الشرب و اللهو و أنا مغادر أعطيت بضعا من النقود لحارس الملهى و عدت أدراجي إلى المنزل. عندما وصلت إلى المنزل رأيت ذلك الطفل ممدد على كومة الحطب لا يتحرك عندها علمت أنه قد توفي. فكرت قليلا أن أرفع هاتفي للاتصال بالنجدة.
لكن مرة أخرى لم أكلف نفسي عناء إنزال زجاج سيارتي حتى لأنظر إلى ذلك الصغير عن كثب. و قلت هذا ليس من شأني.

وضعت سيارتي في المرآب و دخلت إلى منزلي الدافئ ثم خلعت ملابسي و لبست ثياب النوم و ألقيت نظرة على أطفالي و هم ينامون بسلام في أسرتهم ثم دخلت سريري و غفوت و كأن شيئا لم يكن. في صباح اليوم الثاني استيقظت على زقزقة العصافير و على صوت زوجتي و هي تقول لي أن الطعام جاهز. نهضت ثم اجتمعت أنا و العائلة على طاولة الطعام و أثناء الطعام نظرت إلى أطفالي و هم يتناولون الإفطار و عيونهم مليئة بالفرح و السعادة فابتسمت. بعدها طلبت من أحد أطفالي أن يشعل التلفاز لأشاهد الأخبار و بالصدفة كان الخبر عن ذلك الصبي الذي رأيته ليلة أمس و كان الخبر كالتالي تنقله إحدى الاعلاميات من جانب كومة الحطب الرطبة:
هنا في هذه المنطقة المكتظة برجال الأعمال و التجار وجدنا جثة طفل مشرد قد قتله الصقيع. انظروا الى هذا الطفل البريء أين حقوق الانسان، أين المجتمع؟

فقلت لزوجتي انظري الى هذا الطفل الذي مات من الصقيع. ثم نفخت قليلا بشفتيّ و قلت إنه لأمر محزن ثم أكملت كأس الشاي الساخن. و بدأت أشتُم لجنة حقوق الانسان لأنها لم تر هذا الطفل و لم ترعه قبل أن يقضي عليه الصقيع. ثم أطفأت التلفاز و لبست بدلتي السوداء مع ربطة العنق و خرجت من منزلي متجها إلى شركتي الضخمة فإنه ليوم عصيب و متعب فهناك لدي اجتماع مع مجلس إدارة الشركة لمناقشة صفقة بيع ألبسة شتائية كانت مكدسة في المستودعات بناء على الخطة السابقة لمجلس الإدارة بأن تخزن البضائع لحين ارتفاع أسعارها.صرخت صوتا و نهضت من سريري و العرق يتصبب من وجهي فقد كان كابوسا مخيفا.

بقلم المهندس إيلي وسوف

بواسطة راديو بيتنا

صوت المهاجر العربي يبث على مدار 24 ساعة يومياً. يتخذ من مدينة وندسور الكندية مركزاً له وُيعنى بالشؤون الفنية والاجتماعية والاقتصادية وعالم الاغتراب.