ناطور حضاري

• في اليوم الأول لوصولها إلى دبي استغربت زوجتي وهي تراني أتحدث مع ناطور العمارة التي نسكن فيها باللغة الإنجليزية وقالت لي بدهشة “لم أكن أتخيل أن مستوى الثقافة مرتفع في هذه البلاد إلى هذا الحد ، وأن أسمع ناطور العمارة يتحدث الإنجليزية بطلاقة”

فقلت لها أن الناطور ليس من طبقة المثقفين كما تعتقدين وكل ما في الأمر أنني مضطر للتحدث معه بالإنجليزية لسبب بسيط وهو أنه لا يعرف من اللغة العربية سوى كلمة “ناطور” فقط. ورغم ذلك مازالت زوجتي تنظر إلى ناطور العمارة باحترام شديد لأنه يتحدث معي بالانجليزية!

ولكن مع مرور الوقت بدأت حرمنا المصون في الشكوى من حالة العزلة والحصار التي تعيشها في العمارة لأن جميع الجيران من الهنود أو الباكستانيين إذ أنه من الصعب التمييز بين الجار الهندي والجار الباكستاني حتى من خلال روائح الطبيخ التي تضغط على أنفاسنا خلال فترة الظهر من كل يوم.

وكنت أتجاهل شكاوى زوجتي من العزلة والوحدة إلى أن شاءت ظروف العمل في الجريدة أن أتمتع بحقي في الإجازة الأسبوعية كل يوم خميس حيث اكتشفت صعوبة الحياة في عمارة جميع سكانها من الآسيويين وليس بينهم عائلة واحدة يمكن إقامة علاقات حسن جوار معها نظراً للعوائق اللغوية ، فزوجتي التي وهبها الله لساناً سريع الحركة ولا تشكو أية أزمة في السيولة الكلامية ، لا تتقن غير اللغة العربية فقط ولذلك وجدت نفسها في حالة صمت إجباري في معظم ساعات الليل والنهار عندما أكون في مقر العمل وتكون هي في البيت وحيدة في مواجهة برامج الإذاعة والتلفزيون التي تمعن في تعذيبها ريثما أعود إلى البيت مرهقاً من العمل ، لكي تخوض في حديث طويل لا طعم له ولا رائحة سوى مجرد “تمرين” عضلات لسان الزوجة المسكينة ، التي كادت تفقد إحدى مميزاتها الرئيسية بسبب طول الصمت وعدم وجود جارة تمارس معها هواية الثرثرة النسائية التقليدية.

والواقع أنني أصبحت أشفق على هذه الزوجة المسكينة التي شاء حظها أن تسكن في عمارة لا يتحدث سكانها سوى اللغات الأجنبية ابتداء من الناطور وحتى … سابع جار …

بقلم عبد الكريم بيروتي
كلام نسوان

بواسطة راديو بيتنا

صوت المهاجر العربي يبث على مدار 24 ساعة يومياً. يتخذ من مدينة وندسور الكندية مركزاً له وُيعنى بالشؤون الفنية والاجتماعية والاقتصادية وعالم الاغتراب.