المجاعة الأيرلندية الكبرى

أكثر من مليون شخص على الأقل ماتوا جوعاً في أيرلندا بين عامي 1845 و 1851 بعد فشل محصول زراعي واحد هو البطاطس. فكيف تسبب هذا الفشل في موت كل هؤلاء الناس؟ لماذا لم يأكل الأيرلنديون أطعمة أخرى ؟

الفقراء هم من يدفعون الثمن كالمعتاد

إن السبب الذي أدى إلى المجاعة الكبرى كما تسمى ، وهي كارثة بشرية بكل المقاييس كان سبباً بسيطاً جداً ، فمن قضوا في تلك المجاعة كانوا من الفقراء. لأجيال عدة ، كان الأيرلنديون الفقراء يعيشون على زراعة البطاطس وحصدها لإطعام عائلاتهم ، ولم يكن متوفراً لديهم أي شيء آخر سوى البطاطس. في حين كان أثرياء أيرلندا من مُلاّك الأراضي يزرعون شتى أنواع المحاصيل الأخرى التي كان يتم شحنها وبيعها لتحقيق أرباح مالية. كما أن معظم هؤلاء الأغنياء لم يكن يكترث لموت الفقراء من الجوع.

كيف إذاً تأزمت الأمور إلى هذه الدرجة؟ للإجابة على هذا السؤال يُخبرنا التاريخ الأيرلندي أنه لم تكن هناك أي نوع من المودة بين أتباع الطائفتين الكاثوليكية والبروتستانتية ، كما لم يكن هناك حب متبادل بين الإنكليز والأيرلنديين. ففي تلك الحقبة التاريخية كان مُلاك الأراضي الأثرياء من الطائفة البروتستانتية الإنكليزية ، بينما كان أغلب الكاثوليكيين من الفلاحين الفقراء. وقد كان الفلاحون الأيرلنديون يزرعون محاصيلهم على قطع صغيرة من أراض مستأجرة من الإنكليز الذين يكرهونهم.

في القرن الـ 16 تم استقدام نبتة غير معروفة آنذاك إلى بريطانيا تُعرف بالبطاطس من البيرو. وقد وصلت هذه النبتة الجديدة إلى أيرلندا عام 1590. نجحت زراعة البطاطس بشكل جيد في أيرلندا حتى في الأراضي الوعرة وغير المستوية أو الممتلئة بالصخور التي غالباً ما كان يستأجرها الفلاحون ، وسرعان ما أصبحت البطاطس المصدر الرئيسي لطعامهم. فالبطاطس لم تتطلب جهداً كبيراً في زراعتها ،  كما أن فداناً واحداً (نحو 4 آلاف متر مربع) مزروعاً بالبطاطس كان قادراً على أن ينتج نحو 12 طناً من البطاطس ، أي ما يكفي لإطعام عائلة من ستة أشخاص لعام كامل ، وتقديم ما تبقى منها كعلف للحيوانات.

قد ننظر إلى البطاطس اليوم على أنها من الأطعمة التي تصيب من يتناولها بالسمنة ، لكنها في حقيقة الأمر غنية بالفيتامينات وبالكربوهيدرات وببعض البروتينات أيضاً. وإذا قُدم مع وجبة البطاطس قليلاً من السمك والحليب الدسم ، كان بإمكان أي عائلة أيرلندية أن تعيش على هذا النوع من الغذاء بكل سعادة وراحة بال. قد يبدو للقارئ الآن أن تناول البطاطس على الفطور والغداء والعشاء من الأمور المملة ، لكن محصول البطاطس هذا كان أحد الأسباب المباشرة التي أدت إلى ازدهار عدد السكان في أيرلندا. وبحلول القرن الـ 19 كان ثلاثة ملايين نسمة يعيشون على تناول البطاطس فقط.

لكن في عام 1845 تمكن مرض فطري يُسمى باللفحة المتأخرة من إصابة محصول البطاطس الأيرلندي وتحويله إلى كتل سوداء كريهة الرائحة لا تؤكل. لم يكن لدى العائلات الفقيرة أطعمة أخرى يأكلونها غير البطاطس. وبعد أن نفدت مدخراتهم الضئيلة ، لم يجدوا مناصاً غير أن يهرعوا إلى ما كان يُعرف ببيوت العمل ، والتي كانت المكان الوحيد المتوفر للحصول على طعام ومسكن مقابل العمل.

عندما فشل محصول البطاطس مرة أخرى في العام التالي واستمر بعد ذلك كل عام حتى 1849 ، بدأ الأيرلنديون يموتون لا من الجوع فقط بل من إصابتهم أيضاً بأمراض مثل الأسقربوط ومرض الأكال (الغرغرينا) الذي يسببه نقص حاد في فيتامين سي ، إلى جانب أمراض أخرى مثل حمى التيفوئيد والإسهال المزمن (الديزونتاريا) وفشل وظائف القلب. ونظراً للضغوط التي تعرضت لها بيوت العمل وانخفاض الدعم المالي المقدم لها ، أقفلت تلك البيوت أبوابها أمام المحتاجين. أما الأيرلنديون الذين أرهقهم الجوع ، فقد لقوا حتفهم عندما وجدوا أنفسهم في العراء بعد طردهم من مساكنهم. وما زاد الطين بلة انتشار وباء الكوليرا في العام الأخير من تلك المحنة ليقضي بدوره على الآلاف من الأيرلنديين.

إن العدد الإجمالي الحقيقي لمن قضوا في تلك المجاعة لا يزال غير معروف ، لكن يُعتقد بأنه بين مليون إلى مليوني شخص. أضف إلى ذلك هجرة أكثر من مليون أيرلندي على الأقل من بلادهم ، حيث توفي العديد منهم على ظهر السفن التي كانت تعبر بهم المحيط. خلال هذه الفترة الزمنية العصيبة من تاريخ أيرلندا كان فيها وفرة من الأطعمة الأخرى غير البطاطس ، لكنها كانت من نصيب الأثرياء ، في حين لم يمتلك الفقراء ما يسدون به الرمق ، بل تُركوا وشأنهم ليموتون جوعاً.

بواسطة حسام مدقه

إعلامي لبناني كندي حائز على شهادتي الليسانس في اللغة الانكليزية وآدابها من لبنان ، وفي علوم الاتصال ووسائل التواصل والسينما من كندا. أتم دراسته الإعدادية والثانوية بين القاهرة ودبي. عمل مترجماً متفرغاً مع عدد من محطات التلفزة اللبنانية ، ومع شركات دوبلاج مرموقة في بيروت وفي دول عربية أخرى.