بائعة الخبز

يروي أحد الأخوة وقد عمل مُعلماً في أحد المناطق الريفية في السودان الشقيق قائلاً:

كنت أستاذاً أدرّس فى مدرسة للبنات في الصف الثالث ابتدائي ، وفي كل يوم كنت أرى خارج الفصل جانب الشباك بنت مسكينة وجميلة تكسوها البراءة وتبيع الخبز لأمها في الصباح … وقد بلغت سنّ المدرسة ، لكنها لم تدخلها بسبب الوضع المادي لأسرتها ، فلديها أربعة أخوة صغار ووالدهم متوفياً ، وهي تسهم مع أمها في مصاريف معيشتهم ببيع الخبز عند المدرسة ، فساعدت إخوتها بأن يدخلوا المدرسة ويكملوا تعليمهم …

في أحد الأيام كنت أشرح للطالبات درساً في الرياضيات ، وبائعة الخبز تتابعني من شباك الفصل وهي بالخارج … فسألت سؤالاً صعباً وخصصت له جائزة. ولم تجب عنه أية طالبة ، وتفاجأت بأن بائعة الخبز تؤشر باصبعها من خارج الشباك وتصرخ: أستاذ أستاذ أستاذ … فأذنت لها بالإجابة فأجابت وكانت إجابتها صحيحة …!

منذ ذلك اليوم راهنت عليها ، فتكفلت برعايتها وبكل ما يلزمها من مصروفات مدرسية على نفقتي ومن مرتبي القليل وعلى قدر ما أستطيع من أمور بسيطة تساعدها على التعلم. واتفقت مع مدير المدرسة على أن يتم تسجيلها كطالبة بالمدرسة وتشارك بالإختبارات دون دخول الفصل لعدم قدرتها على تحمل مصاريف المدرسة كلها. وأن يجعلها تبدأ من الصف الثالث كمستمعة لتتعلم ولو الشيء البسيط من التعليم ، واتفقت مع جميع مدرسي المواد الأخرى على أن تظل الفتاة تسمتع من الشباك إلى كل الحصص وهي خارج الفصل فأجمعوا جميعاً على الموافقة على مغامرته. وأخبر هو والدتها بذلك ، وفرض المدرس على الفتاة أن تترك بيع الخبز وتتفرغ للتعليم ويتولى أحد اخوتها البيع بدلاً منها … وكانت المفاجأة عندما ظهرت نتائج الاختبارات ، وكانت هي الأولى على المدرسة !!

سارت البنت الصغيرة على هذا النهج برعايتي وإشرافي اليومي عليها الى أن أوصلتها بفضل الله إلى الصف الأول بالمرحلة الثانوية … ثم كبر أحد إخوتها وعمل على عربة كارو لبيع الماء وبقي يصرف عليها … وهنا فارقتُ السودان للعمل بالخارج.

بعد غياب إثنا عشر عاماً عدت إلى السودان ، وكان معي صديق بالدولة التي كنت أعمل فيها ، وصديقي هذا لديه إبن ملتحق بكلية الطب في جامعة الخرطوم ، فطلب مني أن أرافقه للجامعة للاطمئنان عليه ، وأثناء دخولي الجامعة مع صديقي هذا مكثت بعض الوقت في الكافيتريا ، فإذا بفتاة على قدر من الجمـال تحدق فيَّ بشوق وقد تغيرت معالم وجهها عندما رأتني ، وأنا لا أدري لماذا تحدق فيَّ بهذا التأثر ؟! فسألت ابن صديقي إن كان يعرف هذه الفتاة وأشرت إليها خُفية. فأجابني: نعم بالطبع ، إنها البروفيسور، تُدَرِّس طلاب كلية الطب دفعة السنة السادسة والأخيرة.

فسألني: هل تعرفها يا عمي؟
قلت لا ، ولكن نظراتها لي غريبة!

وفجأة وبدون مقدمات جرت الفتاة نحوي و احتضنتي وعانقتني وهي تبكي بحرقة وبصوت لفت أنظار كل من كان بالكافتيريا. وظلت تحضنني لفترة من الزمن دون مراعاة لأي اعتبار ، حتى ظن الجميع أني والدها
وأجهشت بالبكاء ونظرت إليَّ وقالت: ألا تذكرني يا أستاذي؟ أنا البنت التي كانت حطام إنسانة ، وحضرتك صنعت منها إنسانة ناجحة ، أنا البنت التي كنتَ السبب في دخولها المدرسة وصرفت عليها من حرِّ مالك حتى وصلتُ إلى ما وصلت إليه ، وذلك بفضل الله ثم رعايتك وإهتمامك وموقفك الإنساني الفريد. أنا إبنتك (فلانة) بائعة الخبز.

كدت أن أقع مغمياً عليَّ من دهشتي وشدة تأثري وفرحي بها … والله! بكيت كثيراً عندما تذكرت كيف كانت وكيف أصبحت على ما هي عليه اليوم. ثم دعتني أنا وومن معي ومجموعة من الزملاء إلى منزلها ، وأخبرت أمها وإخوتها والموجودين عني وهي تتحدث عن الأستاذ الإنسان الذي وقف معهم وكان سبباً في تغيير مجرى حياتهم. فألقيت كلمة قلت فيها جملة واحدة وأنا أبكي:

“لأول مرة في حياتي أشعر إني معلم وإنسان”

بواسطة راديو بيتنا

صوت المهاجر العربي يبث على مدار 24 ساعة يومياً من مدينة وندسور بمقاطعة أونتاريو الكندية. و يُعنى بالشؤون الفنية والاجتماعية والاقتصادية وعالم الاغتراب.