أصداء ميلاي الفيتنامية في غزة

تُعتبر مذبحة ميلاي ، وهي واقعة مأساوية حدثت خلال حرب فيتنام ، بمثابة تذكير أسود بالفظائع التي يمكن أن يتم فضحها في الصراعات العسكرية. فتلك المجزرة التي قتلت فيها القوات الأمريكية وبشكل عشوائي مئات المدنيين الفيتناميين العزّل ، بما في ذلك المسنين والنساء والأطفال ، يشبه إلى حد مذهل الأسلوب الذي تستخدمه القوات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في غزة اليوم. وتؤكد كلتا الحالتين على نمط بربري في الحرب ، يتم التأسيس له بتجريد العدو من إنسانيته ، ومن ثم إطلاق العنان لعمليات القتل العشوائي ، وعادة ما يرافق ذلك التعتيم شبه الكامل من جانب وسائل الإعلام الرئيسية المنحازة للقوى الاستعمارية قديمة كانت أو جديدة.

جرائم حرب وقتل عشوائي

شهدت مذبحة ميلاي التي وقعت في 16 مارس 1968 ، مقتل حوالى 500 مدني فيتنامي على يد القوات الأمريكية خلال عمليات قتل وحشية بحق رجال ونساء عزل وأطفال رضع من سكان تلك القرية الصغيرة في فيتنام ، وذلك بحسب ما وثقته تقارير صحفية لاحقة. كانت تلك العمليات تمثل انتهاكاً صارخاً لقوانين الحرب والإنسانية لا يسعنا هنا الدخول في تفاصيلها. ولكن على نحو مشابه جداً ، نجد أن الأسلوب الأمريكي نفسه في ميلاي قد توارثته القوات الإسرائيلية في غزة ، بل وزادت عليه ، وهذا ما حذا بهيئات دولية وأممية ومنظمات حقوق الإنسان إلى توجيه ادعاءات على القيادة الإسرائيلية بارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين لاستخدامها القوة المفرطة وغير المتناسبة في الرد ، مما أدى إلى وقوع خسائر كبيرة في صفوف المدنيين الفلسطينيين من أطفال ونساء وكبار السن.

تجريد “العدو” من إنسانيته

إن أحد العوامل الرئيسية في كل من مذبحة ميلاي والمجازر الحاصلة في غزة اليوم قد بُني على تجريد الطرف الآخر من إنسانيته. فخلال حرب فيتنام ، تم تجييش الجنود الأميركيين فكرياً لاعتبار الفيتناميين على أنهم دون منزلة البشر ، فكان ذلك هو الحافز الذي سهّل ارتكاب مثل تلك الفظائع في قرية ميلاي. واليوم تتردد أصداء تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم على ألسنة قادة الكيان خلال الحرب الحالية في غزة. فكثيراً ما يصور مسؤولون إسرائليون الفلسطينيين في صورة سلبية ، الأمر الذي يؤدي إلى إضعاف حساسية الجنود والجمهور المحلي والعالمي ككل تجاه معاناتهم. ليصبح تجريد الإنسان من إنسانيته مبرراً سهلاً لتنفيذ المهمة العسكرية وإنهائها في أسرع وقت.

غياب وسائل الإعلام الرئيسية

لقد ظلت مذبحة ميلاي خفية إلى حد كبير عن الرأي العام الأمريكي لأكثر من عام حتى سلّطت الصحافة الاستقصائية الضوء عليها ، وكشفت عن مدى الفظائع التي جرت هناك ، إضافة إلى محاولات التستر على ما حدث في تلك القرية الصغيرة. أما في حالة غزة ، ورغم أن الصراع يحظى باهتمام وسائل الإعلام ، إلا أنه غالباً ما يكون هناك تحيز ملحوظ فيها لجانب الكيان ، أو نقص في التغطية العميقة للأزمة الإنسانية التي يواجهها الفلسطينيون في الإعلام الغربي خصوصاً. كما تعمد وسائل الإعلام الرئيسية تلك في كثير من الأحيان إما إلى تقليل أو تجاهل حجم الخسائر في صفوف المدنيين وفي الظروف المعيشية لأهل غزة ، ما يسهم في الإنقاص من الفهم الصحيح لمجريات الأحداث ، ومحاسبة المسؤولين وبالتالي التعاطف مع محنة المدنيين العُزّل.

إن أوجه التشابه بين مذبحة ميلاي وتجاوزات جيش “الدفاع” الإسرائيلي في غزة ، وتصرفاته البربرية تسلّط الضوء على الجوانب المثيرة للقلق في الصراعات العسكرية ، التي يتحمّل فيها المدنيون وطأة العنف وكلفته الباهظة من خراب ، ودمار البنى التحتية الملائمة لبقاء الإنسان على أرضه. كما تؤدي التغطية غير المنصفة لوسائل الإعلام الرئيسية في الغرب خصوصاً إلى تفاقم  تلك المشكلة ، وإبعادها عن الواجهة العامة ، إما باستخدام المصطلحات المُخففة تارة ، أو بالإشارة السريعة إليها دون تعمّق تارة أخرى ، ما يجعل الكثيرين غير مدرك لحقيقة الأزمة الإنسانية التي تعيشها غزة في القرن الحادي والعشرين. إن الاعتراف بهذه الأنماط ورصدها ومعالجتها له أهمية بالغة ، للمساهمة في توعية الرأي العام لقلب الموازين لصالح الحق الواضح ومواجهة ظلم المستعمر ، ولمنع وقوع المزيد من فظائع الحرب ، تعزيزاً لنهج أكثر عدلاً وإنسانية لحل النزاعات العسكرية ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب.

لقراءة مقالتي أعلاه بالإنكليزية اضغط هنا

بواسطة حسام مدقه

إعلامي حائز على شهادتي الليسانس في الأدب الإنكليزي وفي علوم الاتصال ووسائل التواصل والسينما. عمل مترجماً متفرغاً مع عدد من محطات التلفزة وشركات إنتاج مرموقة ببيروت وعواصم عربية أخرى meddaka.wordpress.com