العبقرية الحربية للفيتناميين

كانت حرب فيتنام بمثابة شهادة حية على مدى براعة ومرونة القوات الفيتنامية الشمالية ، التي تمكنت على الرغم من تفوق عدوها بشكل كبير من حيث التكنولوجيا والعداد العسكري ، من مواجهة واحدة من القوى العظمى بشكل فعّال ، وهي الولايات المتحدة الأمريكية. تمثلت تلك العبقرية العسكرية للفيتناميين في ثلاثة جوانب حاسمة لاستراتيجيات الحرب غير التقليدية هي: استخدام الأنفاق والفخاخ والأساليب المبتكرة لنقل شاحنات الإمدادات العسكرية فوق الأنهار.

من أكثر الرموز الفيتنامية الشمالية أهمية كان نظام أنفاق كوتشي Cu Chi. حيث لعبت هذه الشبكة الواسعة من الأنفاق الأرضية ، والتي تمتد لأكثر من 250 كيلومتراً ، دوراً أساسياً في تكتيكات حرب العصابات التي اتبعها الفيتكونغ. هذه الشبكة من الأنفاق كان قد تم تشييدها في البداية خلال فترة الاستعمار الفرنسي لفيتنام ، وجرى توسيعها وتطورها بشكل كبير خلال حرب فيتنام ضد الأمريكيين.

لم تكن هذه الأنفاق مجرد ممرات تحت الأرض ، بل كانت عبارة عن أماكن معيشة معقدة ، تحتوي على المطابخ والمستشفيات ومرافق التخزين. وهو ما سمح للفيتكونغ بالتحرك بحرية دون أن يتم اكتشافهم ، وشن هجمات مفاجئة على العدو ، والعودة بسلام إلى مراكزهم بعد تنفيذ عمليات المقاومة. كما تحتوي الأنفاق أيضًا على أفخاخ مختلفة وتم تصميمها لتضم طبقات متعددة ومتشعبة ومداخل مخفية ، مما جعل من الصعب على القوات الأمريكية تحديد موقعها وتدميرها. وقد مكنت شبكة الأنفاق هذه الفيتكونغ من مواصلة خوض اشتباكات عسكرية طويلة الأمد والحفاظ على خطوط الإمداد ، على الرغم من حملات القصف المكثف والهجمات البرية الأمريكية.

من التكتيكات البارعة الأخرى التي استخدمها الفيتناميون الشماليون كان نقل الشاحنات العسكرية فوق الأنهار باستخدام الكابلات أو الأسلاك المعدنية الغليظة. فنظراً للقصف المستمر للجسور التقليدية من قبل القوات الأمريكية ، طور الفيتناميون الشماليون حلاً بديلاً تمثل في مد كابلات سميكة عبر الأنهار باستخدام بكرات وروافع لتوجيه الشاحنات المعلّقة على هذه الكابلات عبر المياه.

كان لهذه الطريقة الفضل في الحد من رؤية نقاط العبور أمام قوات الاستطلاع الخاصة بالعدو ، وقللت من خطر تدمير خطوط الإمداد بفعل القصف المدفعي ، كما سمحت بنقل الإمدادات الأساسية في المناطق التي تم تدمير البنية التحتية التقليدية فيها. كانت هذه الطريقة أحد الطرق الحاسمة في الحفاظ على تدفق الإمدادات والتعزيزات على طول طريق هوتشي من ، وهو طريق إمداد بالغ الأهمية يمتد من فيتنام الشمالية عبر لاوس وكمبوديا إلى فيتنام الجنوبية.

وبفضل الفهم العميق لجغرافية بلادهم ، قامت القوات الفيتنامية الشمالية في كثير من الأحيان بنصب كمائن ناجحة في المواقع التي كان من المتوقع هبوط طائرات الهليكوبتر فيها أو التحليق فوقها على ارتفاع منخفض. فاستخدمت القوات الفيتنامية مواقع مموهة ومتخفية لحين وصول المروحيات إلى أماكن أظهرت عن مكامن الضعف فيها لتستغلها المقاومة في شن هجمات منسقة باستخدام الأسلحة الصغيرة والمدافع الرشاشة وقذائف الأر بي جي من اتجاهات متعددة ، حيث زاد هذا التكتيك من احتمالية إصابة المروحيات وتعطيلها.

إن استخدام القوات الفيتنامية الشمالية للأنفاق ، والتقنيات المبتكرة لعبور الأنهار ، وتنسيق الفخاخ الفعّالة ، ليست سوى ثلاثة أمثلة فقط على استراتيجيتها الأوسع للاستفادة من البراعة والقدرة على التكيف عند محاربة عدو متفوق من الناحية التكنولوجية. فلم تكن هذه الأساليب تجسد فطنتهم التكتيكية فحسب ، بل سلطت الضوء أيضاً على أهمية صمود أصحاب الأرض الشرعيين. إن نجاح هذه الاستراتيجيات في مواجهة عدو غاشم يلقي الضوء على درس رئيسي في التاريخ العسكري يعتبر أن القدرة على الابتكار  والتكيف والصمود يمكنها في الكثير من الأحيان التغلب على نقص الموارد والمعدات التكنولوجية.

لقراءة مقالتي بالإنكليزية اضغط هنا

بواسطة حسام مدقه

إعلامي حائز على شهادتي الليسانس في الأدب الإنكليزي وفي علوم الاتصال ووسائل التواصل والسينما. عمل مترجماً متفرغاً مع عدد من محطات التلفزة وشركات إنتاج مرموقة ببيروت وعواصم عربية أخرى meddaka.wordpress.com