ماذا نعرف عن المنطقة 51

من اغتال جون أف كنيدي؟ وهل هبط الأمريكيون على سطح القمر حقاً؟ سؤالان من أسئلة كثيرة يتداولها أصحاب نظريات المؤامرة منذ سنين ويختلفون في تفسير أجوبتها. لكن هناك شيئاً واحداً فقط يتفقون عليه جميعاً ، وهو أن نظريات المؤامرة تلك تبدو أقل شأناً بكثير عند مقارنتها بأم نظريات المؤامرة كلها ، المنطقة 51.

بدءاً بعمليات تشريح كائنات فضائية ، أو التخطيط لعمليات عسكرية في غاية السرية ، وانتهاءً بتجارب لاختبار طائرات غير اعتيادية … هي من الشائعات الأكثر تداولاً حول حقيقة ما يجري داخل المنطقة 51 … والتي تُعد جزءاً من موقع في غاية السرية من “ميدان نيفادا للاختبار والتدريب” المعروف اختصاراً بـ NTTR ، والذي يبعد نحو ساعة من شمالي غرب مدينة لاس فيغاس الأمريكية.

على الرغم من السرية العالية التي تحيط بالمنطقة 51 ، إلا أن جزءاً من تاريخها يبقى معلوماً لدينا. فعلى سبيل المثال استُخدمت تلك المنطقة الصحراوية لإجراء اختبار لعمليات قصف بالقنابل خلال الحرب العالمية الثانية ، لكنها لم تحتو آنذاك على أية منشآت قائمة بحد ذاتها قبل سنة 1955. في ذلك الوقت ، وقع الاختيار على هذا المكان كموقع مثالي لتطوير واختبار طائرة تجسس من طراز U2. هذه المنطقة التي عُرفت أساساً باسم (وترتاون) تغير اسمها لاحقاً إلى المنطقة 51 عام 1958 عندما تم تخصيص 38 ألف هكتار من مساحة أراضيها للاستخدام العسكري ، ليتم من بعدها تعليم المنطقة بعبارة مبسطة هي (المنطقة 51) على كافة الخرائط العسكرية. واليوم يُعتقد بأن المنشأة العسكرية في المنطقة 51 تتألف مساحتها من نحو 575 ميلاً مربعاً ، غير أنك لن تجدها لها أثراً على أي خريطة لأنه لا يوجد لها وجود بصفة رسمية.

قلعة حصينة لا يُمكن اختراقها
لكي نأخذ فكرة واضحة حول الحجم الفعلي للمنطقة 51 ، أو لكي نختطف لمحة سريعة عنها ، هو أمر يُعتبر من شبه المستحيل. فقبل سنوات عدة ، حاول بعض الفضوليين إلقاء نظرة على المنطقة 51 عبر تسلّق قمة أحد جبلين مجاورين يُعرفان باسم (وايت سايدز) و (فريدوم ريدج) ، الأمر الذي أثار قلق مسؤولين حكوميين من قدوم المزيد من الفضوليين إلى تلك المنطقة لتصويرها فوتوغرافياً ، لذلك وفي عام 1995 تم وضع الجبلين تحت سيطرة المسؤولين في المنطقة 51. وفي الوقت الراهن فإن الطريقة الوحيدة القانونية لرؤية تلك القاعدة العسكرية هي تسلّق قمة جبل (تيكابو بيك) البالغ ارتفاعها نحو 8 آلاف قدم. وحتى إذا نجحت في الوصول إلى هذه القمة ، لا يوجد ما يضمن لك رؤية أي شيء من عليها ، حيث تبعد المنشأة العسكرية في المنطقة 51 مسافة 25 ميلاً ولا يمكن رؤيتها بوضوح بسبب السديم الذي يغطي المنطقة إلا في الأيام التي يكون خالياً منها.

يقع المدخل الرئيسي للمنطقة 51 بمحاذاة طريق يُعرف بـشارع (غروم لايك رود). وهو الطريق الذي ارتاده أشخاص كانوا يمتلكون إما الجرأة الكافية أو الغباء الأكيد ، وسرعان ما تبين لهم أنهم تحت المراقبة ، حيث تنتشر كاميرات الفيديو المزودة بأجهزة استعشار الحركة عن بُعد والمخبأة بمحاذاة ذلك الطريق ، هذا إلى جانب لافتات تحذر أصحاب الفضول أو غيرهم من الاقتراب أو الدخول إلى المنشأة العسكرية وهو عمل غير قانوني “دون إذن خطي من قائد المنشأة العسكرية شخصياً”. وإن لم تكن هذه الإجراءات كافية لثني الفضولين عن التقدم أكثر والعودة على أعقابهم ، فإن إحدى اللافتات الأخرى تفيد بأن “القوة القاتلة مُصرّح باستخدامها” ضد من يتجاوزون نقطة محددة على الطريق. أي لو أنك خطوت خطوة واحدة متعدياً ذلك الخط الوهمي على الطريق الترابي المؤدي إلى المنطقة 51 ، فسوف يقومون بقتلك في حال تجاهلت تحذيراتهم.

لكن من هم هؤلاء الذين على استعداد أن يردوك قتيلاً في حال تجاوزت ذلك الخط؟ يُطلق على هؤلاء باللهجة الأمريكية اسم (كامو دودز) ، وهم أشخاص مجهولي الهوية يراقبون كل من يحاول التسلل إلى المنطقة وينتشرون في نقاط للمراقبة على متن مركباتهم الجيب بين جانبي التلال المحيطة بالمنطقة. وفي حال عثروا على شيء مثير للريبة ، فقد يطلبون تزويدهم بدعم عسكري يتمثل في إرسال مروحيات قتالية من طراز (بلاك هوك) لإلقاء نظرة عن كثب على ما يجري. الخلاصة هنا أنه سيكون من الأفضل لأصحاب الفضول العودة من حيث أتوا. أما إذا كنت تفكّر في استئجار طيار يحلّق بك في طائرته فوق المنطقة 51 ، فيجب أن تعلم أن أجواء المنطقة بأسرها محظور التحليق فوقها ، أي أنه لا يمكن لأي طائرة غير مُصرّح لها بالطيران فوق المنطقة 51 دون إذن أو حتى الاقتراب من المنشأة العسكرية.

من يعمل في المنطقة 51؟
أغلبية الموظفين في المنطقة 51 هم من المقاولين العموميين ممن يعملون لدى شركات محلية. لكن بدلاً من السماح لهؤلاء الموظغين  بالحضور إلى العمل بشكل فردي ، آثرت سلطات المنطقة 51 إلى نقل العمّال على نحو سري بطريقتين. الأولى هي عبر حافلة ركاب بيضاء مزودة بنوافذ زجاجية داكنة اللون يستقلها الموظفون من محطات غير مُحددة المعالم ، ومن ثم يتم نقلهم منها إلى المنشأة. وعند كل مساء تغادر الحافلة نفسها المنشأة لإعادة الموظفين إلى ديارهم. أما الطريقة الثانية فكانت طريقة نقل أكثر سرية أطلق عليها اسم (جانيت) ، هذا الاسم الحركي أعطي لطائرات سرية مهمتها نقل موظفي المنشأة من مطار ماكاران في لاس فيغاس إلى المنطقة 51 ، حيث تقلع هذه الطائرات وتحط على مدار اليوم في مدرج خاص بها متواجد في نهاية المطار وخلف أسوار مزودة ببوابات أمنية خاصة وبموقف خاص للسيارات.

بوب لازار
أكثر موظفي المنطقة 51 شهرة على الإطلاق هو شخص ربما عمل فيها أو لم يعمل. ففي الثمانينيات من القرن الماضي ، ادعى بوب لازار أنه عمل في منشأة سرية أشار إليها باسم S-4. وأضاف لازار أنه كُلّف بمهمة العكس الهندسي لمركبة فضائية تم الاستحواذ عليها  بهدف معرفة طريقة عملها. لم يمر على لازار في عمله داخل المنشأة فترة طويلة ، حتى تمكن هو وفريقه من إحراز تقدم في عملهم بلغ حد اختبار طيران المركبة الفضائية ، ثم ارتكب بعدها لازار غلطة كبيرة تمثلت في دعوته لبعض أصدقائه بالحضور إلى شارع (غروم لايك رود) لمشاهدة المركبة الفضائية وهي تحلّق من بعيد. وقد تم كشف أمره وطُرد من عمله نتيجة لذلك.

خلال المقابلة المتلفزة التي أجرتها معه إحدى المحطات المحلية ، بدا لازار جديراً بالثقة في كلامه ، ومدركاً للكثير من تفاصيل العمل الداخلية للمنطقة 51. لكن حين بدأ الناس يتحققون من المعلومات التي قدمها لازار ، بدا واضحاً أنه من شبه المستحيل التأكد من معظم ما جاء في روايته ، بل تبين أيضاً صعوبة التحقق من تاريخه التعليمي والوظيفي. وسرعان ما أعلن المشككون في قصة لازار بأنها زائفة. حتى هذا اليوم ، مازال لازار يؤكد بأن كل ما قاله كان حقيقياً ، وأن الحكومة الأمريكية محت جميع سجلاته لتجعله يظهر بمظهر الكاذب. سواء كان لازار يقول الحقيقة أم لا ، فسيبقى في الذاكرة دوماً على أنه الشخص الوحيد الذي أخرج إلى الملأ فكرة وجود مركبات لكائنات فضائية يتم إجراء تجارب عليها في المنطقة 51.

ما هي حقيقة ما يجري إذاً في المنطقة 51؟ أحد الأمور المؤكدة التي نعرفها هي أن المسؤولين فيها يعملون على اختبار الطائرات. وسواء كانت هذه الطائرات هي مركبات فضائية أو لا ، هذا أمر لا يزال محط جدل. من بعض الطائرات التي تم العمل عليها واختبارها في المنطقة 51 ، طائرات مثل بلاكبيرد SR-71 والمقاتلة الخفية نايتهوك F-117. وبحسب بعض الشائعات الرائجة في الوقت الراهن ، هناك مركبة غير معروفة إلا باسمها الحركي وهو (أو رورا) يجري العمل عليها في أحد منشآت المنطقة 51.

إذا كنت ممن يريدون اختطاف لمحة سريعة لواحدة من تلك المركبات الغريبة التي يتم اختبارها ، فليس عليك سوى القيام بزيارة إلى ما يُسمى بـ “صندوق البريد الأسود” الواقع على جانب الطريق السريع رقم 375 ، والذي يشتهر باسم طريق الكائنات الفضائية السريع. وبالمناسبة ، صندوق البريد الأسود هذا ليس سوى صندوق بريد عادي كغيره ، لكن مع كل ما يرتبط في الأذهان بالمنطقة 51 ، لا شيء قد يبدو لنا على حقيقته ، فصندوق البريد الأسود هذا لونه أبيض في واقع الأمر ، وهو لمزارع يمتلك العقار الموجود عليه صندوق البريد نفسه. هذه البقعة التي يوجد عليها صندوق البريد الأسود تعتبر نقطة يخيّم فيها الكثير من الفضوليين ليلاً من أجل فرصة لرؤية أي شيء غريب في سماء الليل.

الدعوى القضائية
في عام 1994 تداولت وسائل الإعلام دعوى قضائية رفعتها ضد القوات الجوية الأمريكية مجموعة من المقاولين وأرملتي مقاولين آخرين لم تُحدد أسماءهم. وجاء في الدعوى أن المقاولين كانوا متواجدين في المنطقة 51 عندما تم دفن كميات كبيرة من “مواد كيميائية مجهولة” في خنادق وحفر عميقة. كما وتزعم الدعوى القضائية أن ملامسة أبخرة تلك المواد الكيميائية تسببت في وفاة اثنين من المقاولين ، بينما يعاني بسببها خمسة مقاولين آخرين من مشكلات في التنفس وتقرحات جلدية. اجتذبت هذه الدعوى انتباه الصحافة العالمية فانقضت على هذه القصة ليس لأنها تثبت وجود المنطقة 51 فقط ، بل لأن الدعوى القضائية كانت تطالب بإدخال العديد من المستندات السرية كإثباتات أدلة. تُرى هل تشير إحدى تلك المستندات إلى وجود كائنات أو مركبات فضائية؟ لن يعرف العالم إجابة هذا السؤال لأنه في أيلول/سبتمبر من عام 1995 وبينما كانت الدعوى القضائية لا تزال مستمرة ، وقّع الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون حكماً إدارياً رئاسياً رقم 95-45 يعفي بموجبه وبكل بساطة المنطقة 51 من أي ملاحقات قانونية فيدرالية أو محلية تتعلّق بقوانين النفايات الصلبة. وبعدها بفترة وجيزة رُفضت الدعوى القضائية لعدم كفاية الأدلة ، كما باءت بالفشل كافة محاولات استئناف رفض الدعوى. وفي عام 2002 جدد الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش إعفاء المنطقة 51 من أي ملاحقات قضائية حرصاً على الحفاظ على سرية ما يجري فيها.

ما نخلص إليه إذاً هو أننا سنظل على ما يبدو نحك شعر رؤوسنا لنحاول أن نفهم ما يجري في المنطقة 51. فنحن نعرف أنها موجودة ، ولدينا فكرة ما حول ما يجري بداخلها ، لكن لا يزال هناك الكثير مما نجهله عن المنطقة 51. وقد لا نعرف على الأرجح أكثر من ذلك ، وإلا فكيف يكون لغزاً إذا عرفنا كل الأجوبة.

بواسطة حسام مدقه

إعلامي لبناني كندي حائز على شهادتي الليسانس في اللغة الانكليزية وآدابها من جامعة بيروت العربية ، وفي علوم الاتصال ووسائل التواصل والسينما من جامعة وندسور الكندية. أتم دراسته الإعدادية والثانوية بين القاهرة ودبي. عمل مترجماً متفرغاً في تلفزيون المستقبل ومع عدد من شركات الدوبلاج المرموقة في لبنان ودول عربية أخرى.